حلاوة الإيمـــــــان

 

الإيمان مفتاح السعادة ونبع السرور، ولكن لا يستشعر به إلا من سكن الإيمان قلبه، فإذا تذَوَّق الإنسان حلاوة الإيمان، هانت عليه كل مصاعب الحياة. وتذوّق الإيمان له طريقان: طريق القلب وهو الأقرب، ويكون من خلال ذكر الله تعالى، فيمتلئ القلب بالحضور مع الله، وطريق الفكر وهو الأوسع والأبعد، فيصبح التفكّر طبْعاً بغير تكلّف. والإنسان جزآن: جسد وروح، فالجسد يتغذّى بالطعام والشراب، والروح تتغذّى بالأنوار التي يفيضها الله تعالى عليها، فإذا تغذَّت الروح سيطرت على الجسد. والإنسانية تكتمل بالروح لا بالجسد فقط، والإنسان المؤمن هو الذي يجعل حياته خادمة لدينه وإيمانه. والحالة القلبية الروحية وصِلَتهما بالله لا تُشغلك عن الدنيا والحياة، بل إنها تزيدك فتحاً وعطاءً. والعظمة أن تملك الدنيا بيد والآخرة باليد الأخرى، فالدنيا والآخرة جناحان يطير بهما المؤمن إلى مرضاة الله . وإذا ظنَّ الإنسان أنَّ الإسلام قلبٌ وروح فقط، فقد أخذ جزءاً وترك آخر. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منهما جميعاً". وكما قال الشاعر:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته                                     وتطلب الربح مما فيه خســران

عليك بالروح فاستكمل فضائلها                                     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

والإسلام نزل بشكل تدرّجي، فكان بناء الإيمان والعقيدة أولاً، ثم نزلت الأحكام الشرعية والحياتية، فندرك بأنَّ الإيمان لبنةً أساسية في بناء شخصية المسلم. فاللّبنة الاولى لتنفيذ أوامر القرآن هي أن تعرف الله، فالقرآن هو كلام الله، ولكي تفهمه لا بدّ من أن تعرف عظمة الله وقدرته، ثم تتذوَّق محبّته سبحانه، حتى يسهل عليك تنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه.

كثيراً من الناس يأتون إلى هذه الدنيا، ويعيشون فيها ويخرجون منها دون أن يتذوقوا لذّة الإيمان. بل ذاقوا من الحياة طعم الآلام والتعب والهموم والأحزان. فالبليّة التي أصابت المسلم في عصرنا فقدان هذه اللذة! ذلك أنَّ المسلم رأى أباه يصلي فصلَّى، آخذاَ عنه صورة الصلاة فقط. أما حقيقة التوجّه إلى الله، ولذّة مناجاته فمفقودة، فللصلاة لذَّة وطربٌ روحي لأنَّ القلب يناجي الله تعالى. فهل أحسَّ المسلم بذلك، وشعر أنه يتوجّه للذي فطر السماوات والأرض؟ وهل علم معنى أن يقول في صلاته: إياك نعبد؟ وهل شعر بهيبة الله وجلاله، وأنه واقف بين يديه؟ لقد أصبح صورة إنسان تتكلّم لكن عقله غائب، لأنَّ القلب ليس له صلةً بالله، فهو قد أقبلَ بجسده لا بقلبه، لذلك لم يجنِ ثمار الصلاة، وعلى هذا تُقاس كل العبادات. ولا يمكن للإنسان أن يتذوَّق حلاوة الإيمان ما لم يُطهِّر قلبه ويخلص المحبّة لله، بحيث يرى الفضل والعطاء منه سبحانه دون أن ينسب شيئاً إلى استعداده أو جهده. فعندها يتذوّق المسلم حلاوة الطاعة، وليس معنى ذلك ترك الطاعات، بل محاولة استشعار توجّه القلب في العبادات حتى الوصول إلى هذا المقام. فالقلوب تحتاج من يذيقها حلاوة الحب الإلهي. والخسارة التي أصابت الناس هي فقدان هذا الحب، لذلك فإنهم توجهوا إلى حب النساء، وحب اللذات، وحب المال. بينما على المؤمن أن يقطع محبته عن الغير ويربطها بالله وحده. فالمؤمن يرى كلّ شيء في هذا الكون هدية من الله، فيقبل الهدية ليزداد بها قرباً إليه.

بعض المسلمين ترك الصلاة بعد أن عكف على أدائها بسجود وركوع ولم يشعر بشيء. أما المؤمن الذي تذوَّق مناجاة الله، فلو قُطِّعت أعضاؤه لا يترك الصلاة. لذلك كان الإيمان أولاً والأعمال ثانياً. وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}-البقرة 277- فقُدِّم الإيمان على العمل.