الصبر مفتاح المنح الإلهية

الصبر مع مرارته نعمة كبرى لأنه مفتاح المنح الربانية، ففي طياته مغفرةٌ للذنوب، وتكفيرٌ للسَّيئات، ورفعةٌ للدرجات، ومقربةٌ من الله تعالى، حتى أنَّه يقود صاحبه إلى الجنَّة فيدخلها بغير حساب. ومَنْ صَبَر نَالَ شَرَف الدُّنيَا وَالآَخِرَة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "يُبتلى الرَّجُل على حسب دينه، إن كان صلبَ الدَّين اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة ابتُلِيَ على حسب دينه، فما يبرح البلاء على العبد حتى يدعه يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة". فالحياة ميدان المكابدة وهي معترك الجدّ والعمل والمجاهدة، لذلك فإنَّ دروبها ليست مفروشة دائماً بالورود. ومن هنا كان على المسلم أن يوطّن نفسه على تحمّل مرارة الدهر، فيصبر محتسباً أجره عند الله تعالى الذي قال في كتابه الكريم: {وَاصْبِر عَلَى مَا أصَابَك إنَّ ذَلِكَ مِن عزْمِ الأُمُور}. وقد ذكر نبينا المصطفى أنواع الصبر مفصّلة في قوله صلى الله عليه وسلم: "الصّبر ثلاثة، فصبرٌ على المصيبة، وصبرٌ على الطّاعة، وصبرٌ عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردّها بحسن عزائه، كتب الله له ثلاثمائة درجةٍ ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين السّماء والأرض". فمنه الصبر على الابتلاء الجسدي، فعن أبي العالية قال: كنّا نحدّث منذ خمسين سنة أنَّ الرَّجل إذا حُبِسَ بمرض قال الله عزّ وجل: "اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل في صحته حتى أقبضه أو أخلي سبيله"، وكنا نحدّث منذ منذ خمسين سنة أنَّ من مرض مرضاً أشرف فيه على نفسه قام من ذنوبه كيوم ولدته أمه".

ومنه الصبر على ظلم الناس وأذاهم، فأل ياسر عُذَّبوا لأجل دخولهم في الاسلام فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "صبراً آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنّة". ومنه الصبر على فقد الولد، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: اشتكى ابنٌ لأبي طلحة فمات وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنّه قد مات هيّأت شيئاً ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح، وظنَّ أبو طلحة أنها صادقة، فبات، فلما أصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج أعلمته أنّه قد مات. فصلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ أخبره بما كان منهما، فقال: "لعلّ الله أن يبارك لكما في ليلتكما". فقال رجلٌ من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن.

ومنه الصبر على تلاوة القرأن فقد قال صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع السَّفَرَةِ الكِرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويُتَعْتِعُ فيه وهو عليه شاق له أجران". ومنه صبر الزوج على زوجته، وصبر الزوجة على زوجها، فقد ورد قوله صلى الله عليه وسلم "ومن صبر على سوء خلق امرأته واحتسب الأجر من الله أعطاه الله عزّ وجل من الثواب مثل ما أُعطِي أيوب على بلائه". ومنه الصبر على برّ الوالدين الذي صنَفه رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً من أهم أبواب المجاهدة. ومنه الصبر على غضّ البصر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمٍ ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغضُّ بصره، إلا أحدَثَ الله له عبادةً يجد حلاوتها في قلبه".

ومنه الصبر عن فعل الفاحشة، وعلى ضبط اللسان عن الغيبة والكذب والنميمة، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "من يَضْمن لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رِجليه أضمن له الجنّة". فالصّبر إذن مكفرةٌ للسيئات ومطهرةٌ للذنوب، وهو سبيل الأنبياء والصالحين، فصدق الله تعالى إذ قال في كتابه الكريم: {وَبَشِّر الصَّابِرين}، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: "وما أُعطِيَ أحَدٌ من عطاءٍ خيرٌ وأوسع من الصبر".