مولد النبوّة والرسالة

     شهر ربيع الأوّل، شهر ربيع الأنوار، الشّهر الذي أُتيَ فيه بالنور الإلهي لهذا الوجود، سيّدنا محمّد -صلى الله عليه وسلّم-.

     إنّ المسلمين محبُّون لنبيّهم، ويعبّرون عن ذلك بأشياء كثيرة منها قراءة المولد، إذ أنَّ من الواجب أن نذكر مولد نبيّنا -صلى الله عليه وسلم- الّذي أثبت العقيدة وأعزَّ الإسلام.

     في ذكرى مولده نذكر أعماله الكريمة، ونتعرَّف إلى شمائله وأخلاقه وصفاته الشريفة، ونستمع إلى لمحاتٍ وصورٍ من سيرته العظيمة، فيزداد المؤمن تعلّقاً بنبيه، ويزيد من الصلاة عليه، فينال بصلاته على نبيّه رحماتِ الله ورضوانَه، ويشعر القلب بحبه -صلى الله عليه وسلّم-.

     قال تعالى في كتابه الكريم: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحمَتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ ممَّا يَجْمَعُون}([1])، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "فضلُ اللهِ العلمُ، ورحمته محمدٌ -صلى الله عليه وسلّم-"([2])، كما قال الله جلّ وعلا أيضاً: {ومَا أرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً للعَالمِين}([3])، وبالجمع بين الآيتين نرى أنَّ الله تعالى يأمرنا أن نفرح برحمته الّتي هي سيّدنا محمّد -صلى الله عليه وسلّم- وبحياته وببعثته وبرسالته، لأنَّ اللام في فعل (فليفرحوا) هي لام الأمر، لما ورد في قولهِ -صلى الله عليه وسلّم-: "إنّما أنا رحمةٌ مهداة"([4]).  

     إنَّ الاحتفال بمولده -صلى الله عليه وسلّم- ليس احتفالاً عادياً لأنَّ السماء والأرض احتفلتا بمولده، قال حسّان بن ثابت رضي الله عنه: "إني لغلام يُفَعَة ابن سبع سنين أو ثماني، أَعْقِلُ ما رأيت وسمعت، إذا يهودي بيثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، هل وُلِدَ فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم، قال: انظروا فإنّه طلع اليوم الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلَّا لخروج نبيّ أو ظهوره ولم يبقَ إلا أحمد وهذا مُهَاجَره"([5])؛ أمّا عن فرح الأرض فقد ذكر ابن كثير وابن حجر في فتح الباري أنّه بولادته -صلى الله عليه وسلم- سطع نور عظيم أضاءت له قصور الشام، وانصدع إيوان كسرى، وسقطت شرفات القصر، وكانت أربع عشرة شرفة، وخمدت نيرانه، وغاضت بحيرة (ساوة)([6]). فحكم الحبِّ للّرسول فرضٌ علينا، وما قراءة المولد إلَّا تعبير عن ذلك الحب بذكر مآثره والإكثار من الصّلاة عليه.

     إنَّ لمولد رسولنا الكريم ثلاث مراحل: الولادة الأولى وهي مولد جسده الشريف، والولادة الثّانية وهي ولادة النّبوة، حيث انقطع صلوات ربّي وسلامه عليه عن أهله وأولاده ومعارفه في الغار ملتجئاً إلى الله، ليكون صاحب التقرّب والتّوجّه إلى الله تعالى بروحانيته، وليدخل مدرسة الصّفاء فيتولّى الله تعالى تعليمه حتى صار سيد الأنبياء والمرسلين؛ أما الولادة الثّالثة وهي ولادة رسالة الإسلام، ولادة عزَّة العرب، تلك الولادة التي غيّرت مجرى التاريخ والبشرية من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الرّحيم الرحمن، والتي بدّلت العرب من قبائل متحاربة متفرقة إلى أمّة متحدة، ولّدت بينهم الرّسالةُ الألفةَ والمحبةَ والمودةَ، فاجتمعت القلوب بعد شتاتها، والأرواح بعد عداواتها؛ قال تعالى: {واعتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا واذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيْكُم إذْ كُنتم أعْدَاءً فَألَّفَ بينَ قُلُوبِكُم فأصْبَحتُم بِنِعمَتِهِ إخوانا}([7])، فلقد جعل الإسلام أهل مكّة وأوس المدينة وخزرجها مع من أسلم من فارس والروم والحبشة إخوةً في بوتقة واحدة، فهم سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحدهم على الآخر إلّا بالتّقوى.

     بولادة نبيّنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- وُلِدَ الاقتصاد العربي الاسلامي مستقلّاً بعيداً عن سيطرة اليهود، وذلك عندما رأى النبي استغلال اليهود للمسلمين وتعاملهم بالرّبا إبّان هجرته للمدينة، فأخذ رمحاً وخطَّ خطّاً كبيراً خارج المدينة وقال: "هذا سوق المسلمين يبيعون فيه ويشترون وليس لأحد عليهم يد"([8]).

     ومع ولادة النبوّة والرّسالة وُلِدَ العَدل ومُنع الظّلم؛ قال تعالى في الحديث القدسيّ: "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا"([9]).

     ومع ولادة النبوّة والرّسالة وُلِدَت الدَّولة العظيمة، دولة العلم، الدّولة التي جعلت العلم فرضاً على كل مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "الناس رجلان: عالمٌ ومتعلّم ولا خير فيما سواهما"([10]).

     ومع ولادة النبوّة والرّسالة وُلِدَ التَّكافل الاجتماعي، الذي تجلَّى في صور عديدة منها: تكافل أهل الحيّ مع بعضهم البعض، جَعْلُ الجوار أربعين داراً، نّفْيُ الإيمان عمّن لا يتكافل مع جيرانه كما قال رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم"([11]).  

     كما جعل الاسلام الدّولةَ الإسلامية مسؤولةً عن كلِّ مسلم، حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله ومن ترك دَيْناً أو ضَيَاعاً فإليَّ وعَليَّ"([12]).

     ولقد أولى الاسلام العملَ عنايةً كبيرة وحضَّ عليه، وعدَّ كلّ عملٍ صالح يُقصد فيه امتثالُ أمر الله وابتغاء مرضاته عبادةً يُثابُ عليها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أمسى كالَّاً من عمل يده أمسى مغفوراً له"([13]).

     ختاماً ينبغي أن نعلم أنّ أعلى وأغلى ولادة يجب أن نعمل بها هي ولادة حبُّ النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا، وهذه الولادة لا تكون بالقول بل بالاقتداء به ظاهراً وباطناً، وبدراسة حياته، وبالإكثار من الصّلاة عليه، ومن يفعل ذلك فلا بُدَّ له من أن يلتقي بروحانية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وطوبى ثمّ طوبى لمن كان كذلك.

 

قبسات من كتاب "المولد النّبويّ الشّريف بين الكتاب والسنّة" لفضيلة الدّكتور الشّيخ رجب ديب حفظه الله (بتصرف).

 



([1]) سورة يونس، الآية (85). 

([2]) السيوطي، الدرّ المنثور، (3/308). 

([3]) سورة الأنبياء، الآية (71).

([4]) السيوطي، الفتح الكبير، (1/436). 

([5]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، والحاكم في مستدركه ، وأبو نعيم في الحلية.

([6]) البداية والنهاية (2/62)، فتح الباري (7/394).

([7]) سورة آل عمران، الآية (103).

([8]) أخرجه ابن ماجه في سننه، (1/703).    

([9]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، (2577).

([10]) رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود، (10/201). 

([11]) أخرجه الطبراني والبزار عن أنس بن مالك، (مجمع الزوائد 8/167).

([12]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/464)، ومسلم في صحيحه (3/1237).

([13]) رواه الطبراني عن ابن عباس، (مجمع الزوائد 4/63).