عمل المرأة في الإسلام

     لقد خلق الله تعالى المرأة وكرَّمها، ورفع من شأنها، وأنصفها فما غلا في قيمتها، وحفظ حقَّها وأعلى قدرها. عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إنَّ الله يذكر الرجال في كلّ شيء ولا يذكرنا، فأنزل الله عزَّوجل: {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَات وَالمُؤْمِنِينَ والمُؤمِنَات}. لقد أعطى الإسلام المرأة المكانة العالية، والمرتبة الرفيعة، بحفظه لكرامتها، وكفالته لحقِّها. وجعل رعايتها والعناية بها إن كانت بنتاً على أبيها، فإن عجز الأب أو مات كان الأخ القادر في مقامه، فإن تزوجت قام الزوج بالإنفاق عليها وسدِّ حوائجها، فإن أنجبت كان على أولادها واجبٌ بِرُّهاوإكرامها.         كما أقرَّ الإسلام للمرأة حقّ العمل إن كانت داخل بيتها، فحثَّها على تعلّم الغزل والنسج والخرز والخياطة إلى جانب أعمالها بشؤون بيتها، وتعلّمها أمور دينها. عن عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علِّمُوهُنَّ الغَزْلَ وَسُورَةَ النُّور". وقال علي رضي الله عنه: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ أهله إليه وكانت عندي، فجرَّت الرّحى حتى أثَّرت بيدها، واستقت بالقربة حتى أثّرت في نحرها، وقمّت البيت حتى أغبرت ثيابها، وأوقدت  القدر حتى دكنت ثيابها. وإن كان عمل المرأة خارج البيت ضرورة لحاجةٍ ملحّة، كأن يكون زوجها مريضاً لا يستطيع القيام بالعمل، أو إذا كان للمرأة أولاد وهي مضطرَّة لإعالتهم، أو كانت أعباء المعيشة قاسية وكبيرة تتطلّب من الزوجين أن يعملا، أو غير ذلك من الظروف، فالشريعة الإسلامية لا تمنع من العمل والتكسّب لها. فعن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّه قد أُذِنَ لَكُنَّ أن تَخرُجنَ لحاجتكن" ولكن هناك حدود وضوابط تلائمها وتفيدها، ومنها: أن لا تعمل في المجالات التي فيها خلوةٌ بالرجال، فالله عزَّوجل أودع في جسد كلّ واحد من الجنسين ما يغري الطرف الآخر به. فالمرأة أينما وُجدت وحيثما حلَّت مطلوبة من الرجل، وهي في الوقت نفسه طالبة له, واختلاطها بغير زوجها واختلاط زوجها بغيرها مع ما يجد الواحد منهما في زميله من الملاطفة والموادعة ما لا يجد في زوجه، كلّ ذلك يؤدي إلى انهيار ما بين الزوجين. فعمل المرأة بين الرجال فتنةـ تضعها على الطريق الموصل إلى ما لا تُحمدُ عقباه. وعلى المرأة العاملة أن لا يستغرق العمل جهدها إن كانت زوجة بحيث يؤدي إلى ضياع الأسرة. فإن كان في عمل الزوجة مضيعة للأولاد وتقصيرٌ بحقّ الزوج يكون محرّماً، لأنه ينتج عنه سوء بناء للأجيال من ضياعٍ للأولاد وفقدان النشء الصالح وتفكّك الأسرة. وحاجة الأمة الإسلامية إلى الزوجة وإلى الأم أكثر من حاجتها إلى العاملات اللاتي يمكن أن يحلّ الرجال محلّهن في كثيرٍ من الأعمال، وليس هذا حِجْراً للمرأة ولا تقييداً لحرّيتها ولا تقليلاً لدورها في الحياة، فإنَّ كل عملٍ يعمله الرجال يعدله حسن رعاية المرأة لزوجها.

     عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمين إني وافدةٌ من النساء إليك، واعلم نفسي لك الفداء، أما إنه ما من امرأةٍ كائنة في شرق ولا غربٍ سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي؛ إنَّ الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنَّا معشر النسء محصوراتٌ مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحجّ بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا أخرج حاجّاً أو معتمراً ومرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثواباً، وربّينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كلّه ثمّ قال: "هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟" فقالوا: يا رسول الله ما ظننّا أنَّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثمّ قال لها: "انصرفي أيتها المرأة واعلمي من خلفك من النساء أنَّ حُسن تبَعُّل إحداكنَّ لزوجها وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، تعدل ذلك كلّه". فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً.

     وبيّنت الشريعة الإسلامية أن عمل المرأة في بعض المواقع مستحب أو فرض كفاية، فعملها في مجال التطبيب، والعلم، والتعليم لبنات جنسها، كأن تتخصص مجموعة في طبّ أمراض النساء والولادة، ففي ذلك سترٌ لعوراتهنّ وإغناؤهنّ عن التّكشّف للرجال الأجانب. عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا تُعَلِّمينَ هذه رُقْيَةَ النّمْلَةِ كما عَلَّمْتِيها الكِتَابة؟"  كذا في مجال الدّعوة إلى الله، فقد كانت أمّ شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية بعد أن أسلمت وهي بمكة، تدخل على نساء قريش سرَّاً فتدعوهنَّ وترغّبهنَّ في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة فاضطهدوها وعذّبوها. كذلك عمل المرأة في مجال الحرف اليدوية، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال جاءت امرأة ببردة، قال سهل هل تدري ما البُردة؟ قال: نعم، هي الشّملة منسوجٌ في حاشيتها، قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم.