كنوز البسملة

 

 
     المؤمن حاضرٌ قلبه دائماً مع الله، لا يغفل عن مراقبته طرفة عين، وهو في كل حركاته وسكناته يستعين بقوة الله وقدرته، متوكلاً عليه، متبرئاً من حوله وقوته، ومعتصماً باسمه وحفظه، ويسعى دوماً إلى أن يجعل الخير والبركة في كل عمل يقوم به من خلال فعلٍ واحد هو ذكر اسم الله - تعالى - عند كل أمرٍ؛ ومن هنا تأتي عظمةُ البسملة التي لها من الفضائل ما لو علمها الإنسان ما تركها، قال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً}(الأحزاب/41)؛ فللبسملة في ديننا شأنٌ عظيم، وهي على درجة عُظمى من القدسية، وقد ورد عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبّئك بآيةٍ لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داوود غيري؟ بسم الله الرحمن الرحيم"(الطبراني)،وقد ورد أن "البسملة تيجان السور"، وهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب"(الخطيب في الجامع).
     وإذا ذُكِر اسم الله تعالى صُرِع إبليس وصُرِفَ كَيْدُه، وقُضِيَ على شرِّه وخنس، وفرَّ بُعْدَ المشرق عن المغرب، بحيث لا يتسلّط على الذّاكر بحالٍ من الأحوال، فقد قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبَّهم يَتَوَكَّلُون}(النحل/99)، والشيطان لا يقوى على المكوث في مكانٍ ذُكِر فيه اسم الله؛ لأنَّ اسمه نور والشيطان ظلام، والنور والظلام لا يلتقيان أبداً؛ فالبسملة حِفظٌ من كل سوء قد يعرض لأنفسنا ولأبنائنا بل ولكل شؤوننا، قال صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ فَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ"(البخاري).
     والبيت الذي يُذكر فيه اسم الله ويُقرأ فيه القرآن يكثر خيره، ويحفظ الله أهله؛ فالبسملة عند دخول البيت حصنٌ حصين، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ها هنا وإذا دخل فلم يذكر الله قال الشيطان أدركتم المبيت وان لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان أدركتم المبيت والعشاء"(النسائي)؛ فالطعام الذي يذكر اسم الله عند تناوله ويُقرأ عليه القرآن، تكثر بركته، وتتنوّر بصيرةُ متناولِهِ، وتهذّب أخلاقه.
     والبسملة مفيدة عند وجود الألم، فقد ورد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ"(مسلم).
     والبسملة ستر للإنسان عند خلع ثيابه، فقدقال صلى الله عليه وسلم: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم (خلعوها) أن يقولوا بسم الله"(الطبراني في معجمه).
 كما أن البسملة حماية عند إتيان الأهل، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ"(البخاري).
     فالبسملة حِرزٌ من الشيطان وشرّه، وغفرانٌ للذنوب، وطرحٌ للبركة، وتحقيقٌ للثقة بالله. قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "كل أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع"(أي قُطع عنه الخير والبركة)(الرهاوي في الأربعين).
اللهم اجعلنا ممن يبدؤون نهارهم وأعمالهم بذكر اسمك، ويباركونها ويطيبونها بذكر صفاتك، واجعلنا من عبادك الذاكرين، والحمد لله رب العالمين.