قيــام الليــل وأســراره

 

     قيام الليل خُلُقٌ من أخلاق السالكين إلى الله، والذاكرين لله، الطَّالبين التَّقرّب إلى الله، وهو بالنسبة للمريد الذاكر فرضٌ لا تراخِيَ فيه، وإن كان في أحكام التشريع سُنَّة.
      وسِرُّ قيام الليل أنَّه يُعيد للروح صفاءها، ويُوقظُ في النفس أخلاقها، ويجعل الإنسان عبداً خاشعاً بين يدي الله نادماً على ما فرَّط من الذنوب، متقرِّباً إلى الله بكلّ خصلةٍ حميدة؛ وصلاة الليل قسمان، قبل النوم وبعده (أي قبل الفجر)، فما  كان قبل النوم يُسمَّى قياماً، وما كان بعد النوم يُسمَّى تهجّداً، و المراد من صلاة الليل بقسميها: إحياء قلب المريد بنور الله -تعالى-، بكثرة الصلاة.
     إنّ قيام الّليل فيه أنوارٌ عجيبة وخاصَّة، وهذه الأنوار لها أسرار، وأول هذه الأسرار يكمن في تبديل الصّفات؛ فهي تبدّل صفات الإنسان من صفات وحشية إلى صفاتٍ ملائكية، من صفات الكسل إلى صفات الهمة، من صفات الغفلة إلى صفات الذكر، من صفات الفحش من كذبٍ وغيبة ونميمة ولسانٍ غير مستقيم إلى أخلاقٍ ملائكية فاضلة في الإنسان.
     ومن أسرار قيام الليل أنَّ هذا الإنسان السّالك المتهجّد يُصبح مستجاب الدعوة، لأنَّ الدعاء في الليل يصعد إلى السماء، فيصبح هذا الصّوت معروفاً عند أهل السماء، فإذا دعا يقول أهل السماء هذا صوتٌ معروف، فتسارع الملائكة لنجدة هذا الصوت وقضاء حاجاته.
     وصلاة الليل تنير وجه صاحبها كما ورد بأن قيام الليل يبيّض الوجه في الدنيا وفي الدّار الآخرة؛ و ذلك لكثرة التجليات الربانية و الأنوار الإلهية الهابطة في ظلمات الليالي و التي يتعرّض لها قائم الليل، ومن أصابته نفحة من أنوار الله تعالى ابيضَّ وجهه وحَسُنَ عَمَلُه، وصار من أهل الصفاء ومن أهل القرب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد"(الترمذي وأحمد).
ودأب الصالحين أي مواصلتهم ومواظبتهم وملازمتهم على قيام الليل، فالصالح هو الذي يكون له من الليل حصة يقوم فيها تهجّداً، وقياماً، وقراءةً للقرآن، لأنه في الليل تنقطع كلّ العلائق بينه وبين أهله وعمله، وكلّ الناس في نومٍ إلّا هو، فيكون مع الله الذي لا تأخذه سٍنَةٌ ولا نوم.
     والمقرُبَةُ إلى الله عزَّوجل ليست تقرّبَ مكان، بل تقرّبٌ بالعبادة والحب والخشية والمراقبة والتّأدّب بآدابه جلَّ وعلا.
     و لينتبه المريد إلى أن حبَّ الله تعالى له علامة، فقد قال - جلَّ جلاله - في حديثه القدسي: "كذَب من ادَّعى محبَّتي ، ونام عنِّي، أليس كل محبٍّ يُحبّ خلوة حبيبه ؟ ها أنا مطَّلعٌ على أحبابي وقد مثَّلوني بين أعينهم ، وخاطبوني على المشاهدة ، وكلَّموني بحضورٍ ، غداً أُقِرُّ أعينهم في جناني"(الدينوري في المجالسة وعبد الحق الإشبيلي في التهجّد) ؛ و ليتذكّر أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم كان لا ينام من الليل إلا قليلاً حتى تورّمت قدماه من القيام، وكان يقول حين يُسألُ عن سبب قيامه وقد غفر الله تعالى ذنوبه: "أفلا أكون عبداً شكوراً "(متفق عليه).
اللهم اجعلنا من القائمين في ليلك، المتذللين على أعتابك، الطّامعين بكرمك، المنشغلين بذكرك، المتلذذين بمناجاتك، والحمد لله رب العالمين.