ذكر الله تعالى

 

 
     ذكرُ الله –تعالى- بابٌ عظيم من أبواب القرب، وهو روح العبادات والطاعات، وباب البركات، وبه تُنَزَّلُ الأعطيات؛ والذِّكر موضعه القلب، وهو مأخوذٌ من التَّذكُّر، وهو وجهٌ من أوجه عبودية القلب لله تعالى، مِصداقاً لقوله -تعالى-: )ولا تُطِع من أغْفَلْنَا قَلْبَهُ عن ذِكرنا((الكهف/28)؛ وذكر القلب يُثمر المعرفة، ويُحَرِّك المحبَّة، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، وينزع عن التقصير في الطّاعات والتهاون في المعاصي والسيئات، لذلك فالذي يقصِّر فيه فقد فوّت على نفسه الخير الكثير، قال -تعالى-: )لا تُلْهِكُم أمْوَالُكُم ولا أوْلَادُكُم عن ذِكرِ الله ومَن يفعل ذلكَ فأولئكَ هُمُ الخاسرون((المنافقون/9)، أي أنّ الله أثبت له الخسران في الدُّنيا والآخرة؛ كذلك ورد في سورة النساء وصفٌ للمنافقين حيث قال -تعالى-: )وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قليلا((النساء/142)؛ أمّا من غفل قلبه عن ذكر الله عزَّ وجل فهو أضلّ من الأنعام، قال -تعالى-: )لَهُم قُلوبٌ لا يَفْقَهُونَ بها ولَهُم أعْيُنٌ لا يُبصِرون بها وَلَهُم آذانٌ لا يَسْمَعون بِها أولئك كَالأنعام بل هُم أَضَل أولئِكَ همُ الغَافِلون((الأعراف/179)، و أمّا من أحبّ الله حقّاً فهو الذي يكثر من ذكره مصداقاً لقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من أحبّ شيئاً أكثر من ذكره بقلبه و لسانه"(أبو نعيم و الديلمي) حتّى يصير من أهل مجالسة الله كما ورد "أهل ذكري أهل مجالستي"(ابن تيمية في مجموع الفتاوى و ابن القيم في مدارج السالكين).
     و لو أردنا معرفة كيفيّة الذّكر لوجدنا الإجابة في العديد من الآيات القرآنية، و منها مثلاً )واذْكُرْ ربَّكَ في نفسِكِ تضَرُّعاً و خِيفَةً و دون الجهرِ منَ القَولِ بالغُدُوِّ و الآصالِ و لا تكُنْ منَ الغافِلين)(الأعراف/205) و هذا وصف دقيق لكيفيّة ذكر الله في القلب دون اللسان مع حال الالتجاء إلى الله و الرّهبة منه عند الذكر و وقت الذكر صباحاً و مساءاً مع التّشديد على عدم الغفلة عن الله فيما بين هذين الوقتين؛ و كذلكقوله -تعالى-: )واذْكُرْ اسم ربِّكَ وتَبَتَّل إلَيْهِ تَبْتيلا)(المزمل/8)، والتّبتّل هو الانقطاع الكلّي، أي أن تذكر الله بقلبك وأنت منقطع انقطاعاً  كلّياً عمّا سواه من أهواء و ميول و رغبات، و ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "الذّكر الذي لا تسمعه الحفظة يزيد على الذّكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفاً"(البيهقي)، وقال أيضاً: "خير الذّكر الخفي وخير الرّزق ما يكفي"(أحمد وابن حبّان).
     و روت السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم: "كان يذكر الله في كلّ أحيانه"(أبي يعلى في مسنده)، و هذا تعليم للمسلمين ليقتوا بحبيبهم و قائدهم فيكونوا مع الله على كل حال، حتى في كلّ عمل من شؤون حياتهم، فلقد كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم محطَّةً جذبت التّجلّيات الإلهية وبثّتها إلى الخلق والبشر، و هو القائل: "إنَّ لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربّكم قلوب عباده الصالحين، وأحبَّها إليه ألينها وأرقّها"(ابن ماجه والطبراني). و لقد سُئل صلى الله عليه وسلم: "أيّ المجاهدين خير؟ قال: أكثرهم لله ذِكراً، فَسُئِل: فأيّ الصالحين أعظم أجراً؟ فقال: أكثرهم لله ذكراً، فسُئِلَ عن الصلاة والزكاة والحج والصّدقة... كلّ ذلك يقول: أكثرهم لله ذكراً، فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذّاكرون بكلّ خير! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل"(أحمد والطبراني).
      ومن الملفت: أنَّ الله -تعالى- ما أمرنا في قرآنه بالإكثار من شيء من العبادات كما أمرنا بالإكثار من ذكره سبحانه، حيث قال: )يَا أيُّهَا الذين آمنوا اذْكُرُوا الله ذِكْرَاً كَثيراً((الأحزاب/41)، فاحرص -أيّها المؤمن-أن يكون الغالب على قلبك ذكر اسم الله في نهارك وليلك، و ابذل جهدك لتصل إلى هذه الحال بالمثابرة والملازمة، واعلم بأنَّ نظر الله يكون للقلب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكم ولا إلى أموالِكم، ولكن إنما ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم"(مسلم)،و قد قال بعض العلماء: (إنَّ الله عزَّ وجل إذا اطّلع على قلب العبد فرأى أنَّ الغالب عليه التمسّك بذكر الله، تولّى الله سياسته وكان جليسه ومحادثه وأنيسه).
     فيا أيّها المسلم:
     اذكر الله في سائر أحوالك، وعامل الناس بلسانك و اذكر الله بقلبك فلا يُحجب هذا بهذا، لتكون في حالة حضورٍ قلبيٍ دائمٍ مع الله -تعالى- على كل حال، قال -تعالى-: )رِجَالٌ لا تُلْهِيهِم تِجَارَةٌ ولا بيْعٌ عَن ذِكر الله((النور/37)؛ و اعلم أنّه إن كان القلب ذاكراً كان طاهراً نقياً، و عندئذٍ تتنزّل عليه الأنوار، و إمّا إن كان القلب غافلاً فهو متلوّث بالتّعلّقات والميولات، وحينئذٍ لا يصلح لأن تُسكب فيه تلك الأنوار، فاحرص على أن يكون الله -تعالى- أوّلَ من تحبّ، و أكثر من ذكره كي تفوز بوصاله، وبنعيم قربه في الدّارين.