الأُخُوَّة في الله

 

     عندما يسير المسلم في طريق الإيمان ويرغب في التقرُّب إلى الله _عزَّ وجلّ_، فلا بُدَّ له من رفيق أو صاحب يشاركه هذا الطريق ويرافقه فيه، ويثبّته عند المحن التي تعترضة أثناء سلوكها، وهذا الرفيق الذي يُقصد من أجل التقرّب إليه _سبحانه وتعالى_ دونما أي غرض أو مصلحة أخرى إنما يُسمّى في الإسلام "الأخ في الله"؛ وهذا الأخ قد يكون أخاك من أمك وأبيك؛ كما هي الحال عند سيدنا موسى وأخيه هارون _عليهما السلام_، أو قد يكون نسبه الجسدي منقطعاً عن نسبك، ولكن بينكما مقصدٌ واحد هو الوصول إلى رضاء الله تعالى، حيث قال _جلَّ وعلا_: {إِنَّما المُؤمِنُونَ إِخْوَة}(الحجرات/10)، وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أخو المؤمن"(مسلم)، و تلك هي العلاقة السامية التي لا تحمل مصالح دنيئة، بل على العكس من ذلك، فكلّ واحد يسعى إلى نفع الآخر ويحرص على مصلحته بقدر حرصه على نفسه وأكثر، وقد قال في ذلك سيدنا علي _كرَّم الله وجهه_:
إن أخاك الحق من كان معك  *  ومن يضرّ نفسه لينفعك                      ومن إذا ريب الزّمان صدَعَك * شتّت فيه شمله ليجمعك
     هذا ويعتبر الأخ في الله ضرورياً في السّلوك الإيماني، حيث أنه يذكّر أخاه ويعرّفه أوامر الله ووصاياه حتى يعمل بها، و يَدُلُّه على كل ما يكتسب به رضاه _تعالى_، فيعرّفه بنواهيه، ويبيّن له محارمه -جلّ وعلا- حتى يجتنبها فيسلم من شرّها، ويبعده عن الحجب التي تحول بينه وبين الله _تعالى_، ويقوّي همّته إن ضعفت ، وينهض به إن فترت طاعته، وينبّهه إن غفل، ويذكّره إن نسي، وينصحه إن احتاج النصيحة، ويعينه على أموره كلها.
     والأخوّة في الله لها حقوق و واجبات و صفات، يجب على الأخ التحلّي بها تجاه أخيه، ومن أبرزها:
1-   أن يبادل الأخ أخاه المودّة والمحبّة، فلا تكفي أن تكون الصّلة جسدية ذات طابع ظاهري إنما يجب أن تكون قلبية وروحية.
2-   أن يستر الأخ عيب أخيه وأن يخفي نقصه، فلا يفضحه أمام الناس، وقد حثّنا النبي صلى الله عليه وسلم على إخفاء العيوب فقال: "من ستر مسلماً ستره الله عزّوجل يوم القيامة"(الشيخان)،والسّتر ليس فقط لعورات الجسد ونقائص البدن، إنما هو أيضاً لنقائص الأعمال وعورات الأخلاق؛ ومن تتبّع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله"(الترمذي)؛ وإن أراد نصح أخيه فلينصحه سرّاً، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نصح أخاه سرّاً فقد زانه، ومن نصحه علانية فقد شانه"(البيهقي)؛ وإن لم يتجاوب مع النّصح، فمن واجب أخيه أن لا يتركه حتى لا يهيئ له فرصة التمادي في الخطأ، فيكون عوناً للشيطان عليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "كونوا عوناً لأخيكم على الشيطان ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه"(أحمد)، إذ أنَّ المعصية مرض في الإيمان و وعكة في السلوك، لذلك يلزمها جرعات إضافية من المحبة والرعاية لتحقق عافية إيمانه.
3-   أن يدافع الأخ عن أخيه وأن ينتصر له في غيبته، فإذا سمع أناساً يذكرون أخاه بنقص أو يصفونه بإساءة، وجب على السامع أن يدافع عن أخيه ذاكراً لهم أخلاقه الحسنة، كما عليه أن ينبه هؤلاء الناس إلى أن هذا الفعل يعتبر في الإسلام غيبة وهي محرّمة، وإن لمس عدم تجاوبهم معه فلا يقعد معهم عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا وُقِع في الرجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً وقم عنهم"(ابن أبي الدنيا).
4-   أن لا يعاتب الأخ أخاه على فعل، ولا يلومه على تقصير، إلا ما خالف الشرع فبالحكمة، بحيث إذا قصّر الأخ في أمر من الأمور فسبيل العتاب _ليس كما يظنّه البعض "صابون القلب"_، بل هو في الحقيقة يعكّر القلوب، ويفسد صفاء المحبّة، ومع مرور الزّمن يصبح الأخ متردداً في لقاء أخيه وحذراً من اللقاء به خشية اللوم، فينقطع الرباط وتزول الأخوّة، فيخسر المسلم جميع من حوله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "التمس لأخيك سبعين عذراً فقل لعلّ ولعلّ"(البيهقي).
5-   أن يعرف الأخ فضل أخيه وأن يقدّر له الإحسان، إذ أنَّ من حقوق الأخوّة أن يعرف فضل أخيه وأن يكافئ معروفه دائماً بالمعروف ولو كان يسيراً، وإن أخطأ هذا الأخ المحسن في مرة من المرات مع أخيه، فإن هذه الإساءة لا ينبغي لها أن تنسي الإحسان.
6-   أن يعظّم الأخ طاعة أخيه، وأن يمتدح له الحسنة إن عملها تشجيعاً له واستحساناً وشحذاً لهمّته.
7-   أن يصغر الأخ لأخيه معصيته إن استكبرها و ظنَّها لا تُغتفر دفعاً له إلى التوبة وحثّاً إيّاه على الاستغفار والإنابة.
8-   أن يشدّ الأخ همّة أخيه إذا فترت، وينشط عزيمته إن ضعفت.
9-   أن يشعر الأخ بشعور أخيه فيشاركه أحزانه وأفراحه، ويعايشه همومه وأحلامه، ويسعى معه لقضاء حوائجه ما استطاع.
10-أن يُقبل الأخ على أخيه إن أعرض هو عنه وأن يواصله إن قطعه.
11-أن يلتقي الأخوان دائماً على طاعة، ويجتمعا على ذكر وعبادة حتى يصبح الاجتماع في ما بينهما عبادة يتجلّى فيها النفع والفائدة في الدنيا والآخرة.
12-أن يعرف الأخ حقّ أخيه، وأن لا يطالبه بحقّه عليه، حتى لا تأخذ هذه الأخوّة منحى المصلحة المتبادلة فتفنى وتنعدم.
 
اللهم أكرمنا بالإخوان الصّادقين، واجعلنا وإياهم في جنات النعيم، وارزقنا الصدق في أخوّتهم واجعلنا من المخلصين.