وصية عامة للأحباب
SR_inside_cut

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

واعلم أيها الأخ أن تحقيق هذه الوصايا يتوقف على وجوب اتخاذ أخ في الله يشد من أزرك، ويُبعد عنك وزرك، ويرشدك للمعروف، ويجعلك بالخير جِدَّ موصوف، يدُلّكَ على الله بنطقه ويعلمك الاستـقامة بفعله، يبكي ليلاً لتضحك نهاراً، ويحزن في أوقات صفائه لتـفرح في ساعات صفائك، يبيت الليل متضرعاً لتصبح بحوائجك متيسراً، يدعو الله لك بظهر الغيب ليكشف عنك الخطيئة ويطهِّرك من العيب. واعلموا أن الأخ في الله في هذا الزمان أندر من الياقوت والجوهر، ووجوده أعز من الدر الأحمر، إذ لا يطمع أحد منكم بأخ إذا لم يكن جليساً للمخلصين، حبيباً للعارفين، أنيساً للواصلين، عليماً بحدود الشرع، بعيداً عن الهوى وميل الطبع، وما سوى ذلك فأُخُوَّتُه مصلحة جسدية، أو مجالسة بدنية، أو لدنيا مقصودة، أو على حاجة مرصودة.

وطوبى ثم طوبى لمن رزقه الله جليساً صالحاً، إن نسي ذكّرهُ، وإن ذكر أعانَه، ويا شقاوة من كانت الدنيا همّه، ومصلحة الجسد غمّه، والسعي وراء الفناء قصده، وإرادة الأوهام المتلاشية رصده، فخليق بالموفق ألا يغفل عن مؤاخاة الإخوان، وإعدادهم له للنوائب والحدثان. فتحببوا إلى الناس بحسن الخلق، فإنه يذيب النقائص، ويجعل صاحبه أعز من راكب القلائص(1)، ومن أراد أن يعْلم كماله من نقْصه فلينظر قول سيدنا علي رضي الله عنه:

 (المرآة التي ينظر الإنسان فيها إلى أخلاقه هي الناس لأنه يرى محاسنه من أوليائه منهم ومساويه من أعدائه فيهم).

 وبعد هذا لا بد لي من أن أذكر لكم بعض الوصايا والنصائح لتـنتـفعوا بها بعدي، وتـتخذوها نبراساً لمسيرتكم ومنهاجاً لحياتكم، مما فتح الله عليَّ في العشر الأخير من رمضان سنة 1409 هـ.

اعلموا يا أحبابي: أن لكل أمر عاقبة، ولكل حياة أجلاً، ولكل زمن قوتاً، وأنتم قوت الموت.

 ورأس الأمر معرفة الله، وعموده طاعة الله عزّ وجلّ، والدعاء مفتاح الرحمة، والسلامة مع الاستـقامة، والاجتهاد أربح بضاعة، والاقتصاد ينمي اليسير، والفساد يـبيد الكثير.

 العاقل من وعظته التجارب، وكدر الجماعة خير من صفو التـفرقة، والفرصة تمر مرَّ السحاب، فانتهزوا فرص الخير، والفكرة نور والغفلة ضلالة، ورأي الشـيـخ(2) خير من مشـهد الغلام، البشـاشـة مُحُّ(3) الموَدّة، والصبر جُـنَّةٌ من الفاقة، والموَدّة قرابة مستـفادة، والهوى شريك العمى، والمزاح يورث الضغائن، والصاحب مناسب والقلة ذلّة، والإنصاف راحة.

ويا أخي: حِفْظُ ما في يدك أحبُّ إليك من طلب ما في يد غيرك.

وثِق أنّ في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، وأنفع الكنوز محبة القلوب، والرزق رزقان: رزق تطلبه وهو العطاء الإلهي، ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك. وإياك والحرص فإنه داعٍ إلى التـقحّم في الذنوب. ومُزَيِّن للوقوع في العيوب.

 لقاء أهل الخير عمارة القلوب، ومن خير حظ المرء قرين صالح، وأعمال العباد في عاجلهم نُصب أعينهم في آجالهم "والحكمة ضالة المؤمن"(4) فاطلب ضالتك ولو في أهل الشرك. والموعظة كهف لمن وعاها وبر الوالدين من أكرم الطبائع.

 ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد الإخاء، والعداوة بعد المودة، والخيانة لمن ائتمنك، والغدر لمن استسلم إليك.

إن من الغِرَّة (5) بالله أن يُصِرّ العبدُ على المعصية ويتمنّى على الله المغفرة.

إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فاطلبوا لها طرائف الحكمة.

واشهدوا أن اليسير من الله أكبر وأعظم من الكثير من خلقه، وإنْ كان كل منه، وما أبالي باليسير رميتُ أم بالعسير لأن حقَّ الله تعالى في العسرِ الرضا وفي اليسرِ الشكرُ.

وتيقنوا أن العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلاّ من ذكر الله تعالى وتسبيحه، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء.

 والجهاد ثلاثة في زماننا؛ لكم جهاد اليد: وهو السعي في كسب الرزق الحلال.

 وجهاد اللسان: وهو الدعوة إلى الله بالحكمة وتبليغ شرع الله بالنصح.

 وجهاد القلب: بطرد الغفلات ونبذ الهوى والشهوات،  والإعراض عن الملذات فالقلب الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً  منكوس أعلاه أسفله.

 وانتبهوا فإن أربعة يُمِتْنَ القلب: الذنب على الذنب، وملاحاة(6) الأحمق، وكثرة مجالسة النساء، والجلوس مع الموتى، وهُمْ كُلُّ عبدٍ مترَفٍ.

______________________________________________

 

(1) القلائص: جمع قلوص وهي الفتيّة من الإبل بمنزلة الجارية الفتاة من النساء، وقيل هي كل أنثى من الإبل حين تركب. انظر: (اللسان والقاموس والتاج: قلص).

(2) الشيخ: -هنا- ليس بمعنى العالِم، وإنما بالمعنى اللغوي، وهو الذي استبانت فيه السن وظهر عليه الشيب. وقيل: هو شيخ من خمسين أو من إحدى وخمسين إلى آخر عمره. انظر: (اللسان والقاموس والتاج: شيخ).

(3) مح كل شيء : خالصه. (اللسان والقاموس والتاج: محح).

(4) فقرة من الحديث : "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها". أخرجه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وابن عساكر عن سيدنا علي كرّم الله وجهه. وقال السيوطي: حديث حسن. انظره في (الجامع الصغير، 255:2، رقم 6462).

(5) الغرة: الغِرَّة والغرور واحد. (اللسان والقاموس والتاج: غرر).

(6) الملاحاة: المخاصمة واللوم والشتم والتعنيف والمباغضة.